غانم قدوري الحمد
54
محاضرات في علوم القرآن
جمع رقعة ، وهي تطلق على ما كان يكتب عليه القرآن آنذاك « 1 » . وقد قال البيهقي معلقا على هذا الحديث : « وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب : الآيات المتفرقة في سورها ، وجمعها فيها بإشارة النبي صلى اللّه عليه وسلم » « 2 » . وبناء على ذلك نصّ العلماء على أن كتابة القرآن سنّة نبوية ثابتة حفظ اللّه تعالى بها القرآن من الزيادة أو النقصان أو التحريف ، فقال الحارث المحاسبي ( ت 243 ه ) : « كتابة القرآن ليست بمحدثة ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر بكتابته ، ولكنه كان مفرّقا في الرقاع والأكتاف والعسب » « 3 » . وقال أبو عمر الداني ( ت 444 ه ) : « إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سنّ جمع القرآن وكتابته وأمر بذلك وأملاه على كتبته ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يمت حتى حفظ القرآن جماعة من أصحابه » « 4 » . وإنما لم يجمع القرآن في صحف منظمة أو مصحف واحد في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم لأن القرآن كان ينزل مفرقا ، فربما نزل بعض السورة وتأخر نزول تتمتها ، فكانت الآيات تكتب على الرقاع وتراجع بين آونة وأخرى لترتيبها في سورها بتوجيه من النبي صلى اللّه عليه وسلم « فلما ختم اللّه ، عز وجل ، دينه بوفاة نبيه صلى اللّه عليه وسلم وكان قد وعد له حفظه بقوله عز وجل : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر ] ، وفّق اللّه خلفاءه لجمعه عند الحاجة إليه بين الدّفتين ، وحفظه كما وعده » « 5 » .
--> ( 1 ) المصدر نفسه 9 / 491 رقع . وينظر : السيوطي : الاتقان 1 / 168 ، حيث ذكر أن القرآن كتب آنذاك على قطع الأديم ، والأكتاف ، والأقتاب ، والقتب خشب الرّحل ، واللّخاف ، وهي الحجارة الدقاق ، والعسب ، وهو كرب النخيل ، والرقاع ، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد . ( 2 ) دلائل النبوة 7 / 147 . ( 3 ) نقلا عن السيوطي : الاتقان 1 / 168 . ( 4 ) جامع البيان 10 و . ( 5 ) البيهقي : دلائل النبوة 7 / 154 ، وينظر : ابن حجر : فتح الباري 9 / 12 ، والسيوطي : الاتقان 1 / 164 .